العلامة المجلسي

227

بحار الأنوار

قذرة ، وجده البعيد تراب ذليل ، وقد عرفه الله نسبه فقال : " الذي أحسن كل شئ خلقه وبدء خلق الانسان من طين * ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين " ( 1 ) فمن أصله من التراب المهين الذي يداس بالاقدام ، ثم خمر طينه ، حتى صار حمأ مسنونا كيف يتكبر ؟ وأخس الأشياء ما إليه نسبه ، فان قال : افتخرت بالأب فالنطفة والمضغة أقرب إليه من لأب فليحتقر نفسه بهما . والسبب الثاني الحسن والجمال فان افتخر به فليعلم أنه قد يزول بأدنى الأمراض والأسقام ، وما هو في عرضة الزوال ليس بكمال يفتخر به ، ولينظر أيضا إلى أصله وما خلق منه كما مر ، وإلى ما يصير إليه في القبر من جيفة منتنة وإلى ما في بطنه من الخبائث ، مثل الأقذار التي في جميع أعضائه والرجيع الذي في أمعائه ، والبول الذي في مثانته ، والمخاط الذي في أنفه ، والوسخ الذي في أذنيه والدم الذي في عروقه ، والصديد الذي تحت بشرته ، إلى غير ذلك من المقابح والفضائح ، فإذا عرف ذلك لم يفتخر بجماله الذي هو كخضراء الدمن . الثالث القوة والشجاعة ، فمن افتخر بهما فليعلم أن الذي خلقه هو أشد منه قوة ، وأن الأسد والفيل أقوى منه ، وأن أدنى العلل والأمراض يجعله أعجز من كل عاجز ، وأذل من كل ذليل ، وان البعوضة لو دخلت في أنفه أهلكته ولم يقدر على دفعها . الرابع الغنا والثروة والخامس كثرة الأنصار والاتباع والعشيرة وقرب السلاطين ، والاقتدار من جهتهم ، والكبر والفخر لهذين السببين أقبح لأنه أمر خارج عن ذات الانسان وصفاته ، فلو تلف ماله أو غصب أو نهب أو تغير عليه السلطان وعزله ، لبقي ذليلا عاجزا ، وإن من فرق الكفار من هو أكثر منه مالا وجاها ، فالمتكبر بهما في غاية الجهل . السادس العلم ، وهو أعظم الأسباب وأقواها ، فإنه كمال نفساني عظيم عند الله تعالى وعند الخلايق ، وصاحبه معظم عند جميع المخلوقات ، فإذا تكبر

--> ( 1 ) السجدة : 7 و 8 .